الشيخ محمد رشيد رضا

347

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عليهم من التحرج في أمر اليتامى وأعلمهم كيف التخلص لهم من الجور فيه كما عرفهم المخلص من الجور في أموال اليتامى ، فقال انكحوا إن أمنتم الجور في النساء على أنفسكم ما أبحت لكم منهن مثنى وثلاث ورباع الخ ما تقدم عنه آنفا ثم قال : ففي الكلام إذا كان المعنى ما ذكرنا متروك استغنى بدلالة ما ظهر من الكلام عن ذكره وذلك أن معنى الكلام : وإن خفتم أن لا تقسطوا في أموال اليتامى فتعدلوا فيها فكذلك فخافوا أن لا تقسطوا في حقوق النساء التي أوجبها اللّه عليكم فلا تتزرجوا منهن إلا ما أمنتم معه الجور الخ . ثم بين أن جواب الشرط في قوله تعالى ( فإن خفتم ألا تعدلوا في اليتامى ) هو قوله « فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ » مع ضميمة قوله ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا فان هذا أفهم أن اللازم المراد من قوله « فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ » هو العدل والاقساط في النساء والتحذير من ضده وهو عدم الاقساط فيهن الذي يجب أن يخاف كما يخاف عدم الاقساط في اليتامى لأن كلا منهما مفسدة في نظام الاجتماع تغضب اللّه وتوجب سخطه ويؤكده قوله تعالى ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا وقد بيناه بأوضح مما بينه هو به وعلى هذا الوجه الذي اختاره ابن جرير يكون الكلام في العدل في النساء تقليل العدد الذي ينكح منهن مع الثقة بالعدل مقصودا لذاته وهو الذي يليق بالمسألة في ذاتها لأنها من أهم المسائل الاجتماعية ويناسب أن يكون في أوائل السورة التي سميت سورة النساء . وأما على الوجه الذي قالته عائشة وهو الذي اختاره الأستاذ الامام في الدرس فمسألة تعدد الزوجات جاءت بالتبع لا بالأصالة . وكذلك على الوجه الثالث الذي يقول إن المراد منعهم من التعدد الذي يحتاجون فيه إلى أموال اليتامى لينفقوا على أزواجهم الكثيرات ، وهذا أضعف الوجوه وإن قال الرازي إنه أقربها . وقد يصح ان يقال إنه يجوز أن يراد بالآية مجموع تلك المعاني من قبيل رأى الشافعية الذين يجوزون استعمال اللفظ المشترك في كل ما يحتمله الكلام من معانيه واستعمال اللفظ في حقيقته ومجازه معا : والذي يقرره كاتب هذا الكلام في دروس التفسير